الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


مـذكـرات صـحـافـي

إهداء: إلى كل من يتفضل بحفظ هذا البيت لأبي الطيب المتنبي
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
---- يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟

من "مـذكـرات صـحـافـي "

أدب الإعتراف أو حرية البوح ... هذا الفن النادر في حياتنا الثقافية ... لماذا يهرب منه أدباء العالم المتخلف؟

بقلم: حبيب كونين المغربي

 

مشكلتي ...؟ أقول بالجهر ما يقال في السر

المشكلة بل والطامة الكبرى التي واجهتني في هذه المنطقة العربية من الشرق الأوسط هو كوني أقول بالجهر ما يقال بالسر، وما أكثر ما يقال في السر في هذه المنطقة التي "تحتلها" أغلبية جنسيات العالم، ولم أرى ولو جنسية واحد تعترف بالجميل وتقول كلمة حق في المنطقة وأهلها.

ففي بلد ما بالمنطقة، طلبت من سائق سيارة أجرة أن يأخذني إلى وجهتي، وخلال المشوار كنت كالعادة صامتا أفكر في ما سيأتي من الأحداث، وفجاة، اقتحم السائق صمتي وبدأت الثرثرة، فلم أجب، لكن فضولي جعلني أستمع حتى أعرف ما يخالج هذا السائق الفقير والبئيس والوافد والمهاجر والوحيد والغريب من هواجس وهو هنا في هذا البلد يكد ويجتهد لتوفير لقمة العيش للعشرات من أفراد أسرته الذين ينتظرون كل شهر وفي منطقة ما من القارة الأسيوية ما ستجود به الحوالة.

كان الحديث عن بلاده والبلد الذي يتواجد فيه حاليا، عن معاناته مع كفيله وعمله وشغله، عن وضعيته، كما أخبرني، كحيوان وليس كإنسان، وأخيرا انطلقت الصراحة من لسانه عن أمنيته في الحياة، وطبعا لم تكن أمنيته هي أن يحلم بزيادة في راتبه الذي يتعرض لـ"خصومات" كل شهر لأتفه الأسباب، ولا عن قرب لقاء أفراد عائلته خلال الإجازة السنوية التي يعرف مقدما بأنه لن يحصل عليها، بل كانت أمنيته أن يتحرك العراق مرة أخرى ليلقن لجيرانه وجيران جيرانه درسا آخر لن ينسوه مدى حياتهم.

وهنا تخيلت كل ذلك الحقد والكراهية التي تخالج نفسه من جراء استغلال وتصرفات من عملوا على قدومه إلى البلد، كما تبين من نبرات صوته بأن ما كان يتوقعه قبل نزوله من الطائرة للعمل لا يمت بصلة لما يعيشه ويعايشه هنا.

نسبت السائق وأمنياته الخفية، وعرفت بأن ما قاله لي في السر لن يجرء أبدا على قوله جهرا، فتفهت موقفه ووضعيته، ومع ذلك أنبته عما بدر منه، فطلب مني الاعتذار ذعرا وخوفا، ثم لزم الصمت طول المشوار وهو ينتظر أن يوصلني إلى وجهتي ويتخلص مني، فلما وصلت إلى المكان الذي أريده، تردد مائة مرة قبل أن يأخذ مني قيمة الخدمة، بل واعتذر عن أخذ أي "ريال" مني، لكني ألقيت بالنقود على المقعد الذي كنت أجلس عليه واختفيت عن أنظاره، وهو يسترق النظر إلى الوراء ليتيقن من أني لا أسجل رقم سيارته، ولماذا أسجلها وأنا أعرف عن طريق التجربة أن هذه هي أفكار كل من يسميهم هذا البلد بـ"الوافد"، وكأنه لا وطن له سوى أنه قادم من المريخ، بل ويعتبر وكأن لا وطنية ولا وطن له في المجتمع الجديد الذي يعيش فيه.

تفهمته وتفهمت ما يخالجه، بالرغم من أنه لم يتطلع عما يقال عنه كذلك، بل كان حكمه فقط من خلال تصرفات الآخرين تجاهه، أما أنا، فقد فهمت الكثير من خلال عملي كصحافي، حيث لا يمر يوم إلا وأقرأ خبرا عن حادثة أو جريمة وقعت بالبلاد، ويكون المتهم فيه دائما "الوافد" أو "الأجنبي"، حاولت جمع القصاصات من مختلف الجرائد عن الموقوع، لكن ما لبثت أن تخليت عن العملية لكثرة القصاصات، حتى بدى يبدو لي أنه عندما ترتفع حرارة المناخ بالمنطقة سيعزى سببه للوافد، وعندما تنزل الأمطار بغزارة سيعزى السبب كذلك للوافد، فكل الجرائم سببها الوافدين، جميع الجرائم والحوادث، سواء تعلق الأمر بجرائم القتل، أو الإغتصاب، أو السرقة، أو حتى أوساخ بعض الشوارع والأزقة، وتلوث البيئة والشواطيء، كلها بسبب واحد، الوافد، وكأن هذا الوافد ما "وفد" إلى هذه المنطقة إلا للتدمير.

هذا ما استخلصت من هذه الحادثة، أما ما عايشته بنفسي فهو أهول، كان ذلك خلال عملي في دائرة كإعلامي، فجمعنا أحد ما يسمى بـ"المواطنين"، وعندما أقول جمعـــــنـــــا فإن البقية كانت من بين ما يسمى بالوافدين، وكان السؤال المطروح خلال ذلك الإجتماع هو: ما رأيكم بإنجازات دائرتنا، وكيف يمكن أن نطور أسلوب عملنا؟

كانت إجابة أحد ما يسمى بالوافدين هي: "الحــقــيــقــة هي أن إنجازات دائرتنا يا أبــو الــ"مــحــاســن" رائــعــة ومـمـتـازة، وجودة الأداء لا مثيل لها، وهذا بشهادة الجميع ولعدة سنين خلت، أما تطوير أسلوب عملنا فإنني لا أرى بأننا نحتاج إلى أي تطوير، فنحن نواكب التطورات يوميا."

جواب وافد ثاني هو: "بــصــراحــة يا طـويـل الـعـمـر نعتبر قدوة في البلاد، فيكفي أن ترى ما تكتب عنا الصحف والمجلات يوميا لكي نعرف بأن إنجازاتنا العظيمة على كل لسان، والتطوير طبعا مطلوب، ونحن نسهر على تطوير آلياتنا وأدواتنا بفضل الدعم والمساندة والتشجيع الذي نجده من الادارة."

أما الوافد الثالث، فقد أجاب بقوله: "واللـــــه يا أبـا خــالـد لا يمكن أن نعمل أكثر مما نعمل حاليا، فنحن جند مجندون لتحقيق أفضل الإنجازات وأجودها على نطاق البلاد كلها، وطبعا كما قال الإخوان الجميع يشهد بذلك، فقد قمتم بعمل رائع حتى قبل أن ألتحق بالدائرة، ولا أرى واللــــه إلا إنجازات تلوى الانجازات ويوميا، ونحن تحت تصرفكم لكل جهود إضافية تريدون أن نبذلها، لكن نـــفـــتـــخـــر بإنجازات إدارتنا ودائرتنا والجدميع طبعا يشهد بذلك."

أول ما لاحظته هو أن إجاباتهم كانت مصدرا لابتسامات عريضة تعتبر عن الرضى من طرف السائل الذي لا أعرفه بكل هذه الأسماء التي أطلقت عليه، ترى هل هذه الأسماء كلها مذكورة في بطاقة هويته أو بجوازسفره؟ ربما هناك سرا، لكن لو كان الأمر بيدي لوجهت للجميع تهمة "انـتـحـال شخصية".

وجاء دوري لأقول بكل صدق: "لقد التحقت مؤخرا بالدائرة، وسمعت بأنها كانت رائدة في تحقيق إنجازات مهمة، لكن ومنذ أن جلست على الكرسي كإعلامي أول، كل ما عشته واطلعت عليه هو أن دائرتنا تعيش على مجد غابر، تعيش على ما حققته من إنجازات في الماضي، أما حاضرا، فإني لم ألاحظ أي جديد، فالكل يعيش على أمس، ولم ألاحظ أي شيء يذكر لمدة سنتين تقريبا منذ التحاقي بالعمل، لهذا يجب أن ننكب على دراسة ما تم إنجازه في الماضي، ومحاولة تطوير آليات العمل حسب المستجدات والمتغيرات حتى نساير كل جديد وتقديمه للعملاء لتكون الدائرة سباقة لتطبيق أحدث التكنولوجيات والأساليب والإدارية والعملية التي تستحدث يوميا في جميع أنحاء العالم."

"ولعل أول شيء يمكن البداية به في الوقت الحاضر هو إعطاء معنى لحركة التوطين التي تنادي بها جميع فعاليات البلاد، فمثلا نحن "الوافدين"، لا تنتظروا منا أن نساعدكم على إطلاق صواريخ فضائية أو استكشاف المريخ، لهذا فأول اقتراح لي هو أن يعمل مواطن أو اثنين بجانب كل واحد منا لمدة سنة، حتى يأخذ ما يحتاجه من الخبرة، ثم يمكن الاستغناء عن الوافد بتكريمه وإعطاء شهادة له، ليتابع المواطن المشوار، وبذلك نكون قد أعطينا فرصة لكلى الطرقين، للمواطن لكي يشغر المنصب الذي من حقه كمواطن، وللوافد لكي تعطى له فرصة أخرى لدى إدارة أخرى للاستفادة من خبرته."

في هذه الفترة، أحسست بأن الاجتماع قد انتهى، وأن الانظار الغاضبة مصوبة نحوي، فلم أفهم أي شيء، سوى أن أجوبة الأخرين لم تأت بجديد وكأنه لم يطرح قطعا هنا أي سؤال يتطلب الرد، ورجع كل واحد إلى مكتبه في صمت واستنكار صامت.

لكن بعد برهة، جائني أحد الزملاء وقال لي بنبرة عاتبة: "يا أخي، ما هذا الكلام الذي قلت، أعرف أن "طبيعتكم" لا تستحمل النفاق والكذب والأقنعة، لكن لا بد أن تــداري الجماعة لكي تستفيد، لا بد من توجيه التحية "لـــه" فور وصولك في الصباح إلى العمل، وأن تحييه ليس باسمه المباشر بل بأبو كذا، حتى تنال الرضى، وتوثق الصداقة، وتحتفظ بكرسيك."

ثار غضبي من هذه النصيحة المدسوسة، وأخبرت محدثي إن مهمتي هي أن آتي إلى عملي لإنجاز مهمتي وليس لتوزيع التحيات وشرب كؤوس الشاي والقهوة والدردشة وتبادل النكت والضحكات والكلام في الهاتف وقتل فترة الدوام كلها بمثل هذه التفاهات، حتى إذا انتهى الدوام أعمل مثلك ومثل الآخرين بالبقاء في المكتب وكأنني أعمل بجد واجتهاد حتى بعد فترة الدوام، لكن الغلط ليس غلطك، بل غلط من يشرفون عليك: فوالله لو كنت مكانهم لبقيت معك إلى منتصف الليل في الإدارة، حتى إذا قررت الانصراف طلبت منك أن تقدم لي ما قمت بإنجازه، فلا تطلع الدم لرأسي يا لأأخي.

وأنهيت بطريقتي الخاصة فترة إعطاء النصائح وتلويث الضمير، وكان عذري الوحيد عن هذا الموقف الذي وجدت نفسي فيه هو كوني طوال حياتي لم أعمل أبدا مع إدارة أو دائرة أو مؤسسة عربية

 

Sitemap