الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


مـذكـرات صـحـافـي

وما زالت الرحلة مستمرة حول العالم

من "مـذكـرات صـحـافـي "

أدب الإعتراف أو حرية البوح ... هذا الفن النادر في حياتنا الثقافية ... لماذا يهرب منه أدباء العالم المتخلف؟

بقلم: حبيب كونين المغربي

أول اعتراف هنا قولنا يأننا من العالم المتخلف، وليس العالم الثالث أو الدول السائرة في طريق النمو، كما تعود الغرب على مجاملتنا بهذا الإسم. فهل يعقل أن تسمى بعض الدول بالسائرة أو في طريق النمو والغرب يعرف جيدا وبعض عقلائنا يعرفون كذلك بأن

فن نادر في حياتنا الثقافية
أدب الاعتراف .. هل يهرب منه الأدباء؟
رغم أن كتابة السيرة الذاتية تعتبر من أرقى فنون الكتابة الأدبية، إلا أنها لا تزال بعيدة عن اهتمامات العديد من الأدباء، ولم يقبل عليها إلا الرواد وقليل من الأدباء المعاصرين، ورغم السيل المنهمر من كتب المذكرات التي تقذف بها المطابع، إلا أن السير الذاتية الصادقة التي أنتجها العقل العربي نادرة، مثل كتاب "المنقذ من الضلال، الذي حكى فيه الإمام الغزالي رحلته من الشك إلى اليقين ومثل رائعة طه حسين "الأيام"... وغريها.
وفي حين يرى البعض أن كتابة السيرة أو أدب الاعتراف يحتاج إلى شجاعة وأن يكون كاتبها جديرا بتأريخ نفسه، يرى آخرون الاكتفاء بلمحات من سيرتهم في أعمالهم الأدبية حيث لا تشي بأية اعترافات كاملة، وبذلك يتم الهروب من المواجهة واللجوء إلى أقنعة روائية كما حصل مع فعل نجيب محفوظ في الثلاثية التي أجمع النقاد على أن كمال عبد الجواد هو محفوظ نفسه.
وهذه الكتابات لا تعد سيرا ذاتية بل هي محاولة لاقتراب من الجوانب الخفية في حياة المبدع فلكي تكتسب الكتابة الذاتية حيويتها لا بد من الصدق الكامل حتى لو جرب المشاكل على صاحبها كما قال يوما المؤرخ البريطاني أ. ب. تيلر.
فكيف يعبر الأدباء عن ذواتهم في الأدب، وهل يكتب الأديب نفسه في أعماله الروائية والقصصية؟ وما هي أسباب ندرة وجود أدب الاعتراف أو السير الذاتية في حياتنا الثقافية.
السيرة والإعتراف
يؤكد الناقد د. عبد القادر القط أنه ترسب في وعينا خلط واضح بين السيرة الذاتية والاإعترافات، فالأولى هي تاريخ لحياة الانسان الذي أصبح له وجود مؤثر في المجتمع، ويجد الناس متعة في معرفة بداياته ومشواره.
والأديب في هذا النوع غير مطالب بالكشف عن حياته السرية لما في ذلك من صدمة للأقارب والقراء معا، أما الاعترافات فيقرر فيها صاحبها الافصاح الكامل حتى يريح ويستريح، وهذا الجنس الآدبي لا يستطيعه إلا عدد نادر من الأدباء العرب وذاكرتي لا تحتفظ حاليا إلا بكاتب واحد هو محمد شكري الأديب المغربي في روايته "الخبز الحافي" وهي ممنوعة من التداول في معظم الاقطار العربية، لما فيها من كشف جارح للحياة التحتية للأديب.
أما الأديب والناقد د. مدحت الجيار فيرى أنه هناك ثلاثة أنواع من الأدباء نوع يكتب بحيادتام وعن كل ما هو خارج الذات ونوع متورط في الكتابة عن ذاته وعن كل ما هو حميمي لديه، أما النوع الثالث فهم الكتاب القادرون على إخفاء ذواتهم ببراعة، فالذات المبدعة لديهم لا تنكشف بسهولة.
فالأديب الكبير نجيب محفةوظ من الصعب العثور عليه شخصيا في أعماله حتى عندما كتب سيرته الذاتية جائت في صورة أصداء سيرة ذاتية وليس كشفا عن حياته.
فبالتأكيد هناك أسرار لم يكشفها الأديب الكبير ولم يطلع عليها أحد، فنجيب محفوظ يعتبر من الكتاب القادرين على إخفاء الذات ببراعة في طيات عمله أو يكاد يكون يكتب بحياد، على عكس أديب مثل إدوار الخراط فلاذات لديه في الصدارة وهي الموضوع الرئيسي فلا يكتب إلا ذاته.
إخفاء الذات
ويلتقط الأديب أدوار الخراط طرف الحيدث مؤكدا أن الكاتب مهما جاهد في إخفاء ذته فإنه لا يستطيع ذلك بشكل كامل فهو في النهاية يقدم خبرة ذاتية أو شخصية سواء كانت في إطار الوقائع أو الأحداث الواقعية أو في نطاق التخيلات أو الايهام الروائي أو حتى الشعري أما السيرة الذاتية بشكلها المعروف فلها فن خاص.
وكتابي "مراودة المستحل" يتضمن جوانب كثيرة من حياتي، ولن في صياعغة أدبية وبشكل غير تقليدي، أي أنه عبارة عن تأملات وأفكار حوارات مع الذات ومع الآخرين ومقطوعات من مذكرات قديمة كل ذلك بتكوين بناء فني يدخل في نطاق السيرة الذاتية بشكل تجديدي أشبه بالمغامرة.
وعن قلة وجود ما يسمى بأدب السيرة الذاتية الخالصة يقول: لا أعتقد أنها قليلة فهناك العديد من الكتاب والأدباء كتبوا هذا النوع مثل شوقي ضيف وسيد عويس، وفتحي رضوان وحسين أمين وطه حسين وغيرهم، إلا أنها غير منتشرة على نطاق واسع بسبب عدم توفر شجاعة المواجهة وشجاعة الكشف عن الحقائق، فالأديب لدينا بل في العالم الثالث كله لا يمتكل حرية البوح بالقدر الكافي، هذا بالاضافة إلى أن الكاتب الذي قد يضطر لعدم الكشف الكامل بسبب تأثير ما يتوفر له من حقائق على الناس العاديين.
أما الأديب سليمان فياض فيرى أن التصريح الفج في الادب أمر غير مرغوب به ويرى فياصض أن الاديب يترجم نفسه عبر اعماله الابداعية سواء بكتابة جزء من سيرة حياته ولكن بصياغة أدبية وبغير مباشرة لابطاله وضخوصه أو بكتابة خبراته وتجاربه وحصيلة معايشته للواقع.
الأديب يكتب نفسه
الأديب يوسف أبو رية ليس في حاجة إلى كتابة سيرته الذاتية لانه كما يقول: موجود في كل الأعمال التي كتبها وعلى سبيل المثال أشبه كثيرا شخصية ياسر في رواية "عطش الصبار" أما عن كتابة السيرة الذاتية فهي كتابة مرصودة في ذاتها ولها قصدية التأريخ للذات ومحاولة الوصول إلى أقصى درجة من الصدق وللامحاباة.
وأن أصبع معرف هي معرفة الذات، فغن يأتي عالم ويكشتف قانونا في الطبيعة أسهل بكثير م كشف الذات، فنحن نحتاج إلى درجة عالية من المواجهة حتى نصل إلى القانون الذي يحكم الذات.
ويقول د. خليل حسن خليل صابح كتاب "الوسيلة" إن الكتابة بصراحة لا تعني تقديم الامجاد وتصوير البطولات التي قام بها الاديب وصور نفسه على أنه البطل بل الكتابة عن الذات تعني طرح ما بالنفس إلى الاضواء بكل سلبياتها وإيجابياتها وعلى القاريء الحكم، وأوضح أنه بعد نشر عمله فوجيء باحتجاجات كثيرة من أسرته وأصدقائه الذين كتب عنهم.
بين اغلغرب والعرب
نشأ فن التعير عن الذات في الآداب الغربية من فكرة الاعترافات التي ارتبطت بالتطهر الروحس كوسيلة لراحة الضمير والاعتراف بهذا المفهوم ليس غامضا عند الاوروبيين الذين مارسوه صراحة في أشكال متعددة من الأدب مذكرات، رسائل، سير ذاتية.
أما عن أدب الاعتراف لدينا فهو قديم عكس ما يتصروره البعض، فيقول د. الطاهر أحمد مكي أستاذ النقدالعربي والتاريخ الاندلسي بجامعة القاهرة، إن العرب فرفوا كتابة السير منذ زمن بعيد فهناك "المنقذ من الضلال" للامام الغزالي و"طوق الحمامة" لابن حزم، و"المنازل والديار" لاسامة بن منقذ ولكن توقفت كتابة السير لدينا في القرون 16، 17، 18 إلا أنها عادت مع عصر النهضة من رفاعة الطهطاوي إلى طه حسين والعقاد وغيرهم ومستمرة حتى الآن ولكنها نادرة بالفعل.
فبرغم أن العرب قطعوا شوطا طويلا لكن ما زالت هناك مناطق شائكة، لا يستطيع الكاتب أن يخوص فيها بصراحة لآنها تصطد بالمزاج الوجداني للشعب العربي الذي يحب التورية لا الكشف فالادب المشكوف مرفوض اجتماعيا لانه يهدف في الغالب إلى الاثارة وليس وصولا إلى الحقيقة وخعرفة الذات التي هي من أصعب الاشياء التي كلما يتوصل الانسان إليها.
بقلم محمد الصادق، القاهرة


Sitemap