الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


ثـقـافـة

الـقـصـة القـصـيـرة في المغرب

مراسل فاشل

بقلم: القاص المغربي عبد الواحد استيتو

كنت أحبو في عالم الصحافة عندما قبلتني إحدى الجرائد للعمل لديها كمراسل لها. كنت سعيدا، خيل إلي أنني أستطيع أن أحقق الكثير، سأقابل أحد المسؤولين الرياضيين ذوي الوزن الثقيل .. وسيكون سبقا صحفيا، هكذا فكرت.

حملت حقيبتي التي لا تحوي شيئا في الواقع، لكنها ضرورية، لا يمكن أن أطلب مقابلة صحافية وأنا أحمل قفة مثلا، ذهبت إلى المكتب الذي يفترض أن يوجد به صاحبنا، ودخلت محاولا أن أبدو واثقا، كان الجميع ينظرون إلي باستغراب وكأنني قط أخرق جاء يجالس مجموعة من الأسود الحانقة، اقتربت من أحدهم وألقيت عليه السلام فرد سلامي وعيناه تتفحصانني منتظرا مبادرتي، سألته عن المسؤول فأجابني أنه غير مكتبه إلى موقع آخر، بل إنه - تصوروا هذا - أعطاني العنوان الجديد، في شهامة لم أعتدها، شكرته وخرجت وأنا أحس أن النظرات تكاد تخترق قفاي النحيل.

وصلت إلى المكتب وأنا ألهث كمقطورة عجوز، المسافة كانت بعيدة، وترف ركوب المواصلات بعيد كل البعد عن مراسل مبتديء مثلي، ترددت للحظة في طرق الباب لكني لم أحبذ فكرة التراجع، كنت قد أعددت الأسئلة التي سأطرحها من قبل، فتح لي الباب أحدهم، خمنت أنه مساعده أو سكرتيره، هذا ليس مهما، المهم أن يكون هو موجودا .. قلت له إني مراسل الجريدة الفلانية فتغيرت سحنته المتجهمة فجأة وطلب مني الدخول والانتظار حتى يخبره أني هنا، رباه إن هذا مرعب بالفعل، لم تمض سوى ثوان على قوله الأول، وها هو ذا يؤكد العكس دون أن تحمر أذناه خجلا، عاد إلي بعد لحظات وبدأ يجاذبني أطراف الحديث في انتظار أن يستدعيني المسؤول، قال: إن اسم الجريد قريب من اسم برنامج تلفزيوني، من المؤكد أن هذا هو سبب ترحيبه بي، لقد اعتقدني مبعوثا من التلفزة، هذا جيد في كل الأحوال.

دلفت إلى المكتب وكان المسؤول جالسا خلف مكتبه.. إن محاولتي ناجحة لحد الآن، يبدو أنني شجاع أكثر مما أعتقد، أو أنني جبان إلى درجة تبدو لي فيها هذه التفاهات، إنجازات تستحق أن يهلل لها. كان ذلك المسؤول بدينا جدا كجميع منهم في مثل وضعه، من الواضح أنه لا يفعل شيئا سوى الصراخ في الهاتف المحمول وشتم ذلك المساعد والحضور إلى هذا المكتب لتكتمل الصورة التي يريدها لنسه، إنه عمل مرهق بحق لمن هم في مثل حجمه.

طلب مني الجلوس فامتثلت، خلف مكتبه توجد سمكة يتيمة .. حائرة .. تنظر إلي بفضول، هي حتما تتسائل عن سبب معقول يجعل بني البشر يحضرونها من أعماق البحر لتشاهدهم وهم يعملون.

بعد أن أخبرت صاحبنا بسبب مجيئي طلب مني أن أناوله الأسئلة، نظر إليها بعين خاملة، لم تكن هناك أية أسئلة محرجة، تعمدت هذا، لا أحب أن أبدو متحذلقا من أول تجربة، قال المسؤول إنه مشغول جدا، طلب مني أن أعود في الغد، ثم نهض معلنا انتهاء المقابلة،.

عدت في الغد فوجدت مساعده الذي من الواضح أنه يفعل كل شيء من إعداد الشاي إلى كل أعمال السكرتارية ربما، قال لي إن المسؤول لم يعد من سفره بعد، أصابني اليأس .. لست مستعدا لأن آتي يوميا لكي يمن علي هذا السخيف في الأخير بحوار تافه سيتحدث فيه حتما عن إنجازاته التي لا تضاهى، قررت ألا أعود إلى هنا ثانية .. خرجت إلى الشارع وأنا أفكر: إن البيروقراطية تنخر كيان مجتمعاتنا "العثة" أخشى أن أجد -يوما - من يطلب مني أن أعود فيما بعد إذا أردت مقابلة نفسي، بدت لي الفكرة عابثة .. لست مهما إلى هذه الدرجة على أية حال.

Sitemap