الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


مـذكـرات صـحـافـي

إهداء: إلى كل من يتفضل بحفظ هذا البيت لأبي الطيب المتنبي
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
---- يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من "مـذكـرات صـحـافـي "، بقلم: حبيب كونين المغربي

هــل تـعـرف لـولـيـتا

بعد أكثر من ثلاثين ساعة "وربع" في الاعتقال، سمعت صوتا خشنا "يصرخ" مناديا باسمي، فتقدمت جهة باب الزنزانة الحديدي الذي فتح أمامي بصعوبة، ثم تقدم مني رجل شرطة، وضع في يدي أصفادا علاها الصد، وساقني بجانبه إلى الطابق العلوي، وأجلسني على كرسي خشبي يتمايل يمينا ويسارا، لأقابل شابا في مقتبل العمر، فتح ملفا ضخما كان على مكتبه وكان السؤال المفاجأة: - هل تعرف لـولـيـتـا؟

أول ما تبادر إلى ذهني رواية، ثم فيلم لوليتا الشهير الذي التقفته مؤخرا جميع شاشات دور السينما في العالم بعد طول انتظار، والذي أخذ عن قصة للكاتب الروسي الأصل والأمريكي الجنسية فلاديمير نابوكوف، كيف أنساها وقد كانت الرواية بنفسها موضوع دراسة لحيثيات حوادثها وتحليل لمعانيها ومناقشة مستفيضة لأحاسيس أبطالها وذلك خلال دراستي الجامعية. هذا عن الرواية، أما عن الفيلم، فكل ما أعرف هو أنه من إخراج أدريان ليني ولعبت دور البطلة فيه دومينيك سوين في أول حضور لها سينمائيا، ولحسن حظي فقد حصلت على نسخة من شريط الفيلم جائتني من بلاد الرئيس الروسي بوريس يلتسين خلال أيامه الأخيرة في السلطة قبل أن ينحنيء تاركا المجال لفلاديمير بوتن كرئيس بالنيابة لروسيا، واكتشفت فيه القصة الكاملة للوليتا نابوكوف، لكن ليس في الشريط أي مناظر مخلة بالآداب، فماذا يبحث عنه هؤلاء بالضبط؟

بدأت أستذكر و في صمت تام الكاتب والكتاب، فربما سأجد في تفاصيل هذا العمل الأدبي الرائع ما يثلج صدر هذا المحقق الذي ينتظر مني جوابا، وهنا أحسست بأنني أمام امتحان عسير.

فكما يعرف الجميع، ليس هناك بطل أو بطلة في أي رواية عالمية أخذت من الشهرة أكثر من شهرة الكاتب نفسه مثل بطلة الرواية "لوليتا"، أو بعبارة أوضح الشخصية "لوليتا" نفسها، فاسمها وشهرتها فاقت اسم وشهرة مؤلف الرواية واستأثرت البطلة بنسبة عالية جدا من الدراسة والتحليل والبحوث بالمقارنة مع ما نشر عن الروائي فلاديمير نابوكوف، لكن لا أظن أن هذه الظاهرة تهم صاحبنا" المحقق، لهذا علي أن أتذكر شيا وقع حديثا أو سيقع مستقبلا.

لأبدء بالمستقبل. وهنا تذكرت ما تابعته من خلال وسائل الإعلام "الأخرى" عن الاستعدادات التي تجرى للاحتفال بمناسبة مرور 100 عام على ولادة مؤلف كتاب "لوليتا" الكاتب فلاديمير نابوكوف، لكن لم أسمع عن هذا في وسائل الإعلام العربية أو خلال محاضرة أو ندوة أو مهرجان نظم لهذا الأديب في المنطقة العربية، ولا حتى من خلال مجرد ذكر له على الشاشات والمحطات العربية، بل من خلال موقع شبكة السي إن إن الإخبارية في الانترنت، ومن خلال برامجها المتلفزة، وكذلك من خلال العديد من المواقع الإلكترونية على الشبكة العالمية للمعلومات، واطلعت عن العديد من التفاصيل الخاصة بهذا الأديب وأعماله وحياته وكذلك صوره منذ أن كان طفلا وآراء كبار الكتاب والدارسين عنه وعن مؤلفاته.

كم كانت أمنيتي أن أكون خلال شهر إبريل من العام القادم 1999 في موسكو، حيث سيعرض المتحف الروسي بالعاصمة الروسية مجموعة من أهم أعمال هذا الأديب والناقد الأمريكي والروسي الأصل، والذي تقول عنه الموسوعة البريطانية أنه الروائي والناقد الأمريكي روسي المولد الذي يعد الأكثر بروزا بين المهاجرين الروس بعد ثورة 1917، وأن رواياته تركز على التفاصيل الحسية وتحفل بشخصيات تدأب العمل بمزيد من الألم والمعاناة، وأن من بين أعماله الأخرى المشهورة "الدفاع، و "النار الخامدة"، وله عشرات الكتب النقدية. لكن سرعان ما تيقنت مرة أخرى بأن لا شيء من كل هذه التفاصيل ستهم "صاحبنا".

وهنا قررت أن أبحث في ذاكرة الماضي، كل ما أعرف عن الموضوع هو أن فلاديمير نابوكوف ولد في إبريل 1899 في بيترسبورج وتوفي في يوليو 1977 في سويسرا، وكتب العديد من الكتب أهمها "لوليتا"، الرواية التي أنجزها في عام 1955 وظهرت مؤخرا على شاشة السينما. لكن سرعان ما أستبعدت تماما رواية نابوكوف هذه عن ذهني، فهذا موضوع لا أظن بأن الشرطة تهتم به.

ثم تذكرت بعد ذلك موقعا جنسيا فاضحا بهذا الإسم في الشبكة العالمية للمعلومات "الأنترنت" يتفرع عنه آلاف المواقع الأخرى هو كذلك يحمل اسم لوليتا، وهنا بدء الشك يخامرني، "ترى هل عملها البروكسي"؟، فقد سبق وأن زرت وأبحرت في هذا الموقع الفاضح عدة مرات دون قصد خلال بحثي عن معلومات حول الكاتب نابوكوف استعدادا لكتابة موضوع عنه، حيث تبين لي بأن بعض الشباب في الغرب من محترفي إنشاء المواقع الإلكترونية استعمل استعملاسم لوليتا كذلك لعرض صور فاضحة لفتيات عاريات، وهذه مواقع كلما بذلت العديد من الدول العربية الجهود لمنع انتشارها - باستعمال تقنية المنع المعروفة بـ "بالبروكسي" - كلما ازداد الطلب عليها، فالممنوع مرغوب، لكن ما شأن الشرطة بي وأنا أبحث عن بيانات لأكتب مقالة بمناسبة مرور مائة عام على ولادة الكاتب فلاديمير نابوكوف وأعماله الأدبية، وكذلك للإطلاع على مدى استعداد المتحف الروسي لعرض أعماله بهذه المناسبة، لهذا ما لبتت أن استبعدت هذا الإحتمال، فـ"الرجل" مجهول في هذه المنقطة.

ثم تذكرت لوليتا النادلة بالفندق المجاور لمقر إقامتي، وهي فتاة أوروبية مثقفة قدمت من ليتوانيا للبحث عن عمل لإعالة عائلتها، فكان قدرها هو العمل كنادلة ومشرفة على المرقص الغربي بالفندق. تذكرتها لأنها كانت تعتني بي وبضيوفي خلال سهرة نهاية الأسبوع بالفندق وتختار لنا أفضل الطاولات بصالة المرقص لنستريح من عناء العمل وننسى معاناة الغربة، لكن مرة أخرى لا أظن أن الشرطة تهتم كذلك بعاملة تقوم بعملها على أحسن وجه وتعتني بزبون تكن له كامل التقدير والاحترام.

إذا ترى عمن منهن يتسائلون؟ ومن منهن بالضبط يريدون مني أن أتذكر؟

وفجأة، اقتحم "المحقق" صمتي وتأملي وبادرني مرة أخرى بنفس السؤال: "يا أخي، قل لي ما تعرفه عن لوليتا، حبيبتك؟

وهنا تسائلت مع نفسي: "حبيبتي؟ ترى هل أصبح الحب ممنوعا؟ لكن ما لبتت أن شكرت الله على أن القضية لم تكن تتعلق بأسماء مثل فاطمة أو خديجة أو عائشة أو رقية أو خلود، وإلا لخلدت المشكلة قرونا، فاسم لوليتا كاسم كاترينا ونتاليا وروبيرتا وألبرتا، بل وحتى روبرت وألبرت، فهذه أسماء تعتبر سحرية في المنطقة، فاطمئن قلبي، وقررت أن أطمئنه كذلك.

جريدة المغرب اليوم : أول جريدة مغربية تصدر باللغة الإنجليزية

رقم الإيداع القانوني :65 \85 -الترقيم الدولي : 565-0851 CNAA

إعداد وتصميم : حبيب كونين المغربي

Sitemap