جريدة المغرب اليوم

لتقديم التهاني، اضغط هنا

مـراسـلـة

الصفحة الرئيسية

المجتمع المغربي

لتقديم التهاني، اضغط هنا

 

زواج العاهل المغربي حدث يشاركه فيه شعبه

عندما قرر العاهل المغربي محمد السادس الزواج من سلمى بناني، أنجز ما يطلبه منه الدين من إكمال نصف دينه، لكنه أحب أن يكون زواجه حدثا يشاركه فيه شعبه فغير بذلك تقاليد عرفها المغرب منذ القدم، فأم العاهل المغربي لم تظهر حتى الآن أمام الناس، لأنها امرأة تختلف عن الأخريات، لقد أحب الملك الراحل الحسن الثاني إتباع تقاليد بلاده بحذافيرها، وكأن ذلك جزءا من أسراره الخاصة. لكن وريثه أحدث نوعا من التغيير البسيط واللطيف، فقد اختار الحداثة التي تتكئ على جذورها في تقاليد بلاده، ولم يقطع العلاقة بين الماضي والحاضر بشكل مباغت، وأبقى على كل العادات في القصر، واختار سلمى بناني، فتاة من عائلة متوسطة.

تنتمي سلمى إلى الطبقة الاجتماعية المتوسطة، وقد ولدت في فاس، ووالدها عبد الحميد بناني يعمل مدرسا، أما والدتها فقد توفيت وهي لا تزال في الثالثة من العمر، فربتها جدتها، وأتمت سلمى دراستها الابتدائية في مدرسة خاصة في فاس، ثم التحقت بإحدى مدارس الرباط الإعدادية الحكومية، بعد ذلك حصلت على شهادة الباكالوريا في تخصص العلوم والرياضيات بدرجة جيد في ثانوية الحسن الثاني في العام 1995، وكانت وقتها في السابعة عشرة من عمرها. وانتقلت سلمى لتدرس لمدة سنتين تحضيريتين وتخصصت فيهما في الرياضيات، ثم تابعت تحصيلها العلمي في المعهد الوطني العالي لدراسة المعلوماتية وتحليل النظم، وهو معهد شهير جدا في المغرب والثاني في هذا المجال من التخصصات، وهو يخرج مهندسين متخصصين في المعلوماتية يجد ستون في المائة منهم وظائف تناسبهم في الخارج، وخاصة في دول أوروبا وكندا، وفي ذلك المعهد تخرجت سلمى بعد ثلاث سنوات وكانت الأولى على دفعتها، وكانت قد اختارت في السنة الدراسية الثالثة أن تتخصص في نظام الإدارة والمساعدة على اتخاذ القرارات.

ويتحدث مدرسوها على أنها كانت طالبة متميزة ونشيطة ومفرطة الذكاء، كما يقولون أنها ذات شخصية قوية تدافع بقوة عن أفكارها، ولا تتغيب عن محاضراتها إطلاقا. وفي كل مكان، تتردد أصداء الحديث عن سلمى بناني بكل إعجاب واحترام، ويبدو أن أسطورة حقيقية قد ولدت.

عندما كانت سلمى في السنة الدراسية الثالثة في المعهد، ذهبت إلى الدار البيضاء بين شهري فبراير ومايو من العام 2000، لكي تتدرب لدى "أونا" أول مجموعة شركات خاصة في المغرب تهتم بالزراعة والتغذية والمناجم والمصارف والتأمين، وهي توظف حوالي 29 ألف شخص من مختلف التخصصات العلمية. وفي مرحلة التدريب، ابتكرت سلمى بناني نظاما في المعلوماتية، مخصصا لجمع المعلومات التقنية، المالية والإنسانية في الشركة وفروعها المائة، وبذلك أصبحت أمام سلمى فرصتان لتعمل في المعلوماتية والمراقبة الإدارة، وكما يتذكر أحد الأعضاء المنفذين والمدير المركزي في الشركة، فقد افتتحت سلمى الحوار بين أرباب المعلوماتية والمسؤولين عن أموال الشركة.

وغادرت سلمى بناني مجموعة شركات "أونا" لتستعد للامتحانات النهائية في المعهد، في الوقت الذي تابع فيه آخرون ورشة العمل على الأسس التي وضعتها، وحصلت سلمى على شهادتها من يدي وزير العليم في بلادها. وفي شهر أغسطس من العام 2000، وبمناسبة عيد السباب وذكرى ميلاد الملك محمد السادس، دعيت سلمى إلى القصر الملكي لاستقبال الطلاب الأوائل على المدارس العليا في البلاد، وكان وراء تلك الدعوة مدير المعهد الذي تخرجت فيه، وقد قبلت سلمى الدعوة.

وفي نهاية العام 2000، حصلت سلمى على وظيفة في مجموعة شركات "اونا" وعادت إلى مكتبها السابق لتتابع العمل الذي بدأته في أثناء التدريب بمرتب يقارب 170000 درهم سنويا. ويقول مدير المعهد أن سلمى كانت تحضر إلى مركز عملها في الثامنة صباحا وتبقى حتى الثامنة مساء. وفي صباح اليوم التالي للإعلان رسميا عن خطبتها إلى الملك محمد السادس في أكتوبر من العام الماضي، ودعت سلمى زملاءها وزميلاتها في شركة "أونا" وقد استقبلها الجميع بحفاوة وراحوا ينادونها "للا سلمى". وفي ذلك الوقت، اجتمعت سلمى للمرة الأخيرة بالمسؤولين للحديث عن مشروعها، ووضعت اللمسات الأخيرة على ما تم تنفيذه منه، والنقاط على ما سيتم تنفيذه.

أما اليوم، فالجميع في القصر الملكي في الرباط، يعيش على أهبة الاستعداد لمراسيم الزواج الأسطوري تحت أنظار الملك محمد السادس وزوجة المستقبل. وقد انتهت المرحلة الأولى يوم الحادي والعشرين من شهر مارس بعقد القران في الرباط. العرف في المغرب كان يقضي بأن يتزوج الملك صبيحة اعتلائه العرش من دون أن يعرف أحد بذلك، وأحب محمد السادس أن يأخذ وقته، وقد حرص على إخبار شعبه برغبته في الزواج، فهل يحمل تصرف العاهل المغربي نوعا من السياسة؟ لقد أراد محمد السادس أن ينسجم مع ذاته، فهو الذي يطالب بالديمقراطية والتطور واحترام حقوق الفرد، وهو الذي يحاول أن يقدم قدوة ومثلا على ذلك من حياته الخاصة، وقد أراد الملك أن يكون نموذجا يقتدى به لدى أبناء شعبه.

ترى أي دور ستلعبه ملكة المستقبل؟ إنها سوف تعطي في الطليعة الملك وليا للعهد، بعد ذلك، ربما ستظهر في المناسبات وتلعب دورا اجتماعيا مثل شقيقات زوجها، لكن للا سلمى سوف تحافظ على تقاليد بلاده وربما سيكون من المستحيل ظهورها في غير المناسبات الرسمية، وصحيح أن الملك أراد تغيير بعض الأشياء، لكن وفق إيقاع خاص ووفق إرادته! وعندما أشرقت سلمى بجمالها البهي، أخرجت نساء المغرب جميعهن من الظل، وكان ظهورها بمثابة بارقة الأمل التي تفتح آفاقها جديدة في تاريخ المغرب.

سلمى بناني، ابنة أستاذ جامعي من مدينة فاس العريقة، تملك من الجمال والبهاء ما يخولها لتكون أميرة مثل أميرات ألف ليلة وليلة، تربعت على عرش قلب العاهل المغربي محمد السادس فاختارها زوجة له وجعلها قائدة ثورة مخملية هادئة في بلد ظلت فيه زوجة الملك متوارية عن الأنظار حتى تاريخ عرسها الذي قرر فيه ملك المغرب نشر صورتها وكسر التقاليد القديمة. والاحتفال الذي جرى في الرباط في الحدي والعشرين من شهر مارس أي في بداية فصل الربيع ستتبعه احتفالات رسمية في مراكش لإتمام الزفاف الملكي في الثاني عشر من إبريل، وسيتم الاحتفال بهذا الزواج لمدة ثلاثة أيام، في فرح مغربي جماعي.

لا شك أن هذه الزيجة تمثل في رأي المراقبين بداية صفحة جديدة في تاريخ المغرب، فالاحتفالات الرسمية التي ستقام في إبريل سيتم بثها على شاشات التلفزيون إلى جميع أنحاء العالم. كما سيحتفل العاهل المغربي محمد السادس بزواجه من للا سلمى وفق التقاليد المغربية ضمن زواج جماعي يجمع مئتي زوج ثم اختيارهم من جميع أنحاء البلاد ومن مختلف الطبقات الاجتماعية ليشاركوا العاهل المغربي فرحته بناء على قراره.

والجديد بالذكر أن والد الملك محمد السادس، الملك الحسن الثاني، تزوج يوم السادس والعشرين من شهر فبراير العام 1961 في سرية تامة، وبعد ساعات معدودة من وفاة والده الملك محمد الخامس، فالتقاليد في المغرب تقضي بأن يتزوج الملك بمجرد اعتلائه عرش البلاد ليؤكد للرعية أن السلالة سوف تستمر، لكن الملك محمد السادس قرر أن يغير بعضا من تلك التقاليد، فقد ظل عازبا بعد استلامه الحكم، ولذلك مدلول سياسي، حيث صرح في أحد أول خطاباته قائلا: كيف نأمل ببلوغ التطور والازدهار، والنساء اللواتي يشكلن نصف المجتمع يرين حقوقهن ومصالحهن مهضومة؟

وكذلك فإن شخصية سلمى التي ستحظى بلقب الأميرة مثل شقيقات زوجها الثلاث، سوف تقلب أيضا بعض الموازين، فالملك محمد السادس لم يختر سيدة أولى لمملكته من دون أن يكون فيها ما يميزها، وقد التقى العاهل المغربي سلمى للمرة الأولى في العام 1999، وكان محمد السادس في ذلك الوقت وليا للعهد، وسرت تيارات الإعجاب بين الاثنين في ذلك اللقاء العفوي الذي لم يكن مخططا له كما قال أحد المقربين.

وتجدر الإشارة إلى أن مراسيم الزواج ستتم وفق التقاليد المغربية التي يستمر فيها العرس أسبوعا كاملا يرسل العريس في اليوم الأول منه خدما إلى بيت عروسه يحملون لها العسل والبلح والحليب والفواكه المجففة وغير ذلك من المواد، أما العروس فتبقى برفقة صديقاتها، ويتم تزيين يديها وقدمها بالحناء الممزوجة بعصير الليمون. وفي اليوم الثاني، يأتي العروس لشكر العريس، فترسل إليه أطباقا خاصة من الطعام تعود إليها فارغة مع بعض الهدايا. وفي اليوم الثالث، تستحم العروس، وفق التقاليد، سبع مرات قبل أن تذهب إلى منزل زوجها محمولة على الهودج، ويرافقها وفد من أهل العريس. وفي القصر الملكي، يستعد الجميع للعرس الذي أراده محمد السادس، وسوف يجتمع أزواج لم يتجاوز معظمهم الثلاثين من العمر في ذلك اليوم التاريخي.

لقد كشفت للا سلمى وجهها ورأى الجميع نور جمالها يوم عقد قرانها، فهل ستكشف عن أفكارها ومخططاتها، لكن المؤكد أن الأميرة البالغة من العمر أربعة وعشرين عاما ستحاول تحقيق التوازن بين التقاليد العريقة في بلادها ومتطلبات عصرها، ولقد أصبح وجودها إلى جانب الملك خطوة جديدة لتغيير بعض العادات، ويرى البعض أن للا سلمى، لن تكون مثل غيرها من شهيرات النساء لأنها تمتلك عقلية مركبة اكتسبتها من عملها في المعلوماتية.

Sitemap