الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


مـذكـرات صـحـافـي

إهداء: إلى كل من يتفضل بحفظ هذا البيت لأبي الطيب المتنبي
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
---- يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟

مـراسـلـة 

الصفحة الرئيسية

محتوى المذكرات

 

 

من "مـذكـرات صـحـافـي "

"اضرب عبد الله لتسكت عباد الله"

بقلم: حبيب كونين المغربي

بقلم: حبيب كونين المغربي *

التاريخ: 2 مايو 1998

هذه رسالة مفتوحة ضد مؤامرة الصمت، اوجهها من غياهب السجون، للضمير العربي بصفة عامة، ولمدير الادارة التي أعمل بها بصفة خاصة، لأخبره بأنني رغم كل المؤامرات، ما زلت آكل الخبز المملح بالكرامة، وليذكره مرة أخرى، بأنه لا يمكن أن ينكر أن مقالة في صحيفة أفردت لمهام موظفي الإدارة حوالي 40 في المائة من مساحتها للنص، و60 في المائة لصور خاصة لهذا المدير -المسؤول العربي، لان المجلة لن تموت، ويمكن مراجعتها

لقد دأبت الصحافة العربية في الآونة الأخيرة على فضح بعض الممارسات التي تدفع بعض الفعاليات العربية إلى الهجرة إلى الغرب لتقدم خدماتها، كما تعددت المقالات والدراسات حول سبب هذه الحملة التي حسب اعتقاد البعض تأتي من خارج الدول العربية لتشويه صورة العربي في وسائل الاعلام الغربية، لكن السؤال المطروح هو: "ربما بعضنا يساهم في هذه المعضلة"، لهذا فقد حان الوقت لاثارتها لفضح هذه الممارسات.

لنأخذ مثلا مواطنا عربيا، كانت دراسته وثقافته وبيئته مشابهة لثقافة "الأجنبي"، لكن يكفي الاطلاع على هذه الرسالة المفتوحة لمسؤول عربي من موظف هو على وعي تام ببعض الممارسات الخاطئة التي تدفع بعض المسؤولين الذين يعملون المستحيل حتى لا ينفلت من تحت "مؤخرتكم" كرسي الادارة، لكي نعرف أصل الداء حتى نتمكن من وصف الدواء.

هذه رسالة موجهة من موظف مغترب إل مدير إدارته، فكرتها الأصلية، كيف أن بعض الدول العربية تفتح المجالات المختلفة لأبناء الدول العربية الأخرى وتكرم وفادتهم، وكيف أن بعض الأفراد يشوهون صورة بعض هذه الدول المضيافة. إنها مساهمة لوضع الأمور في نصابها، وتتوجه إلى شخص يا ما سبب في ظلم البعض مما جعل حياتهم جحيما.

وتأتي هذه الرسالة من مواطن من الأمة العربية، هو واعي تمام الوعي بأن الحديث عن هذا الشخص يعتبر مسؤولية معنوية تجاه الآخرين وبالأخص تجاه الضحايا وتجاه الأجيال القادمة، بل ربما تجيب هذه الرسالة عن العديد من الأسئلة من بينها، لماذا تهرب بعض العقول العربية للخارج؟، ولماذا هذه الحملة لتشويه صورة العربي في وسائل الإعلام الغربية؟ الجواب يبقى هو: ربما بعضنا يساهم في هذه المعضلة، لكن حان الوقت لإبرازها.

إنها رسالة تم نشلها من الصمت لتفادي مؤامرة الصمت وتوجز لمسألة واحدة وبسيطة: هل يمكن للتطور أن يتعايش مع محاربة التميز. إنها رسالة محرقة لكنها حيوية بالنسبة لاستمرار مسيرة التميز والإبداع والابتكار في العالم العربي. رسالة تتوجه بصفة خاصة إلى هذا "المدير - المسؤول" لتقول له:

"لا يا سيدي، المسألة ليست بهذه البساطة، لان القضية تهم أناس لهم عائلات وأولاد وأقارب وأحباب ووطن وأمة، وتخص مستقبل كل هؤلاء. ربما علي، قبل البداية، أن أذكرك، رغم يقيني بأنك تعرف وتتذكر، وذلك لسبب بسيط، وهو أن وظيفتك تتطلب منك ذاكرة قوية للأسماء والألقاب، بل أنا على يقين من أنك تتذكر إنجازاتنا وجودة عملنا وتميزنا أكثر من تذكر وجوهنا، لان وجوهنا كانت دائما مختلفة، وجوهنا لا تتكلم لكن إنجازاتنا تخيفك، ويخيفك التميز.

ربما تألمك رسالتي، لكن ليس لدي حل آخر، وعليك قرائتها حتى النهاية والبداية هي أنني أتسائل دائما هل تتمكن من النوم بطريقة طبيعية، وهل كوابيس أحلامك مسكونة بما يمكن أن أنجزه من إبداع متجدد، هل ترتعد عندما تتخيل الموقف الذي وضعتني فيه، هل يغمى عليك عندما تتخيل نفسك مكاني اليوم، مظلوم ومعذب ومعرض لما أتعرض إليه، ترى كيف ستتصرف، هل سيصيبك الجنون أم تنتحر، وعند الصلاة، هل تعي الآيات التي تقرأها، وهل تصلك رسائلها وتفهم معناها، وعند السجود، هل تعرف لمن تسجد، وما يتطلبه منك. وأبنائك الذين تحيطهم بالعطف والحنان، هل يعرفون بأن هناك ظالم بجانبهم.

مهمتك "صنع" موظفين متميزين، وليس الترصد بهم لكي تصنع منهم مجرمين محتالين، لن نتحول يا سيدي إلى مجرمين أو محتالين أو نصابين، لسبب بسيط، وهو أنه بالرغم من كل ما يمكن لك أن تعمله فإنك لن تقدر على عمل ما تمكنت الحياة من عمله بنا من قبل.

عندي لك مواقع على الانترنت، أه تذكرت الآن، نعم، المواقع التي تم إنشائها على الشبكة العالمية للمعلومات، لقد أعجبتك -في البداية - كثيرا، أليس كذلك، لأنها تدخل في صميم "عملنا ومهامنا"، لكن عندما عرفت بأنه "هو"، هذا الموظف، أنشئها بنفسه، تجهم وجهك وهربت إلى مكتبك متسائلا، ما هذا؟

تريد أن تبرز وحدك، آه، هنا لا بد أن أذكرك مرة أخرى، بالرغم من أنك تتذكر جيدا، لا تنكر أن مقالة في صحيفة أفردت لمهامنا أكثر من 40 في المائة من مساحتها للنص، و60 في المائة للصور، لا يمكن أن تنكر صور من، لان المجلة لن تموت، ويمكن مراجعتها، هذا أنت إذا.

تعرف طبعا بأن مؤامرتك لا تستهدفني وحدي، بل تدخل في إطار "اضرب عبد الله لتسكت عباد الله"، هذه روشته قديمة، ومع ذلك فإن من حولك يتساءل قبل أن يقدم على ما جعلته أنت يسمى بمغامرة الإبداع والتميز، كيف يمكن لمبدع ومتميز أن يغامر بعرض إبداعاته وابتكاراته، كيف يمكن لمثقف أن يطرح أسئلة محرجة، وكيف لمفكر أن يتطرق للمواضيع الساخنة التي يعرفها زمنه، وكيف يمكن تجنيد فريق من الموظفين ثم نجعلهم يعتبرون أنفسهم عبيدا وإلا سنجعل منهم مجرمين بطريقة يعتقد بها الجميع بأنهم حقا مجرمين ومحتالين، وكيف للبلاد أن تتنفس الصعداء وتستمر في التطور الذي وضع أسسه قاداتها إذا كنت بالمرصاد لخنق أنفاس كل إبداع وتميز.

جريمتي هي أن عباد الله الذي ذكرت، كانوا أدرى مني بالمسرحية، فطلبوا مني المبادرة لتنغيم الكلام، وتحلية العبارات والإكثار من ذكر المناقب، وتسميتك بأبو المحاسن، حتى تبتسم الأفواه وترضي القلوب، وتتطوع الأمور، لكن يا سيدي هذه ليست من خصالي، فاعذرني لأنني لم أحاول لعب هذا الدور، واسمح لي لكي أعترف لك بأنه في هذا الميدان أعرف مقدما بأنني ممثل فاشل، بل اعذرني أكثر لأنني من منطقة لا تحسن تنظيم حلو الكلام، وتتجنب الألسن المعسولة، وأظن أن هذه هي مشكلتي الحقيقية.

تريد أخباري، فاعلم يا سيدي بأنني كما عرفتموني، ليس هناك من جديد في حياتي، فقلبي ما زال في مكانه، ربما ذاكرتي ستحمل، لكن لمدة وجيزة، آثار "كرمك وعطفك"، لكن تيقن بأنني سأعود إلى الدار البيضاء واكتب الأشعار، وسأخترق أسرار الانترنت كل ليلة حتى لا أفكر فيما فعلته بي.

أما جديدي، فهو أنني ما زلت آكل الخبز المملح بالكرامة في انتظار الوصول إلى بلدي، ولتمتع تمام التمتع بما وفرته لنا تكنولوجيا المعلومات والانترنت التي يا ما أخافتك.

أما ألان، فإني أنتظر استمرار مسلسل الظلم أو مجيء الإنصاف، وخلال هذا الانتظار، أمارس مهمة الكلمة الحرة ومهنة المتاعب، أخدم بلدي الأول وبلدي الثاني المتواجد فيه حاليا، حتى يظهر الحق ويزهق الباطل.

أما في خلوتي، فإني ما زلت أتذكر شوارع باريس وشواطئ الريفييرا بفرنسا، ما زلت أتذكر أنهار جنيف وغابات مونترو بسويسرا، ما زلت أسمع ضجيج الحياة في لندن ولوس أنجليس ولاس فيغاس وهاواي، ما زلت أتذكر كل هذه الأماكن التي تذكرني بكل ما أنا ناسيه وتنسيني كل ما أنا أقاسيه، فجسمي هنا وعقلي هناك، حتى لا تتمكن التأثير فيه. ومع ذلك، فقد شيدت السدود لمنع خاطبي من الوصول إلى رؤسائك، لكن أنا وآنت متيقنين تمام التيقن بأنه لو اطلعوا، عفوا، لو مكنتهم من الإطلاع على القضية لانتهت الأسطورة.

ولشرح القضية فإنني أملك جميع الحجج والدلائل، فأعد حججك إذا، لان هناك من يسمع ويعي. أما سؤالي، فهو: إلى متى ستستمر في ظلم الناس، وحبس الأنفاس، إلى متى ستستمر في الترويج، وعلى نطاق واسع، لوجهة نظرك، الواحدة والوحيدة، وتغتال وجهة نظري، إلى متى ...؟"

نشرت بجريدة الشرق الأوسط * حبيب كونين المغربي، رئيس تحرير جريدة المغرب اليوم وسجين بأحد السجون العربية

 

 

 

 

 

 

 

Sitemap