الـمغـرب اليـوم

  الرجوع إلى النسخة الإنجليزية من جريدة المغرب اليوم

إعلاناتكم هنا


مـذكـرات صـحـافـي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من "مـذكـرات صـحـافـي "

ربع ساعة وثلاثة أيام

بقلم: حبيب كونين المغربي

ربع ساعة، هي الفترة التي وعدوني بقضائها مع الشرطة للإجابة عن مجرد سؤال واحد وبسيط وبعدها سأرجع إلى مكتبي، والوعد كان من مسؤول بالمؤسسة التي أعمل بها، أكدها رجل الشرطة بإيمائة برأسه ليطمئنني حتى تسهل عليه عملية اصطحابي بدون مقاومة، فتبعت الجماعة إلى سيارتهم وأنا مقتنع تمام الاقتناع بصدق الأخوة،

ربع ساعة أصبحت، مثل مواعيدنا، ثلاثة أيام، والبقية تأتي.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، في ذلك اليوم الثاني من شهر مايو 1998، يوم السبت، عندما اقتربت سكرتيرة الإدارة التي أعمل بها كإعلامي من باب مكتبي لتخبرني بأن مدير الإدارة يريد مقابلتي، فتعجبت لهذه الدعوة "الكريمة" التي كنت أنتظرها منذ مدة طويلة، وتسائلت مع نفسي: أخيرا تذكرني؟

ابد أن أذكر هنا بأنني استبشرت خيرا بهذه الدعوة التي ربما سترفع الحصار أخيرا عن أنشطتي بعد تجميدي في مكتبي لمدة تزيد عن السنة، وربما سيقدم لي عملا أنجزه حتى أشارك بقية الزملاء في المهمات اليومية التي حرمت منها.

جلست أمام مدير الإدارة، فبادرني بما لم أكن أتوقعه، وهو أن رجال الشرطة يتواجدون بمبنى المؤسسة لاصطحابي معهم، طبعا ابتسمت، لا بد وأن هناك خطأ ما، فحسب علمي لم أخرج من بيتي طوال يوم أمس الجمعة، إذا لم أرتكب أي جرم أو جنحة، لهذا امتنعت عن تسليم نفسي "لهم" داخل الإدارة إلا إذا كانت هناك ضمانات من المؤسسة نفسها حتى لن يقع لي أي مكروه أو ظلم أو تجرفني أمواج الجهل والغبن والروتين وعدم الاهتمام وفكرة "الوافد" الذي يعتبر في هذه المنطقة مجرما حتى تثبت جريمته، وطبعا وعدوني بأن القضية لن تتطلب أكثر من ربع ساعة و"سيكون خيرا إن شاء الله" على حد قولهم.

تبعت رجال الشرطة من مكتبي إلى السيارة، ومن السيارة إلى المخفر، ومن المخفر إلى غرفة للانتظار، ومن هناك إلى مكتب مسؤول. طوال كل هذه المدة ومرورا بكل هذه الأماكن لم يسألني أو يستجوبني أي أحد. لا جملة، ولا كلمة، لا شيء.

ومع استمرار هذا المسلسل "العربي"، كنت ألاحظ بأنه كلما اصطحبني أحد وقدمني لآخر إلا ويزيد إحساسي بأن سبب وجودي في هذا المخفر يصبح مسألة مجهولة تماما بالنسبة لكل طرف على حدا، وأخيرا من مكتب المسؤول إلى التوقيف بالطابق الأرضي للمخفر، ومنه مباشرة إلى مكاني على الأرض في الزنزانة، وهنا انتهت ربع ساعة.

لم أجد مكانا فارغا في الزنزانة أجلس فيه، فأغلبية "الرفاق" افترشوا أغطية صفراء قذرة وممزقة وقبعوا فوقها، بينما البقية افترشت الأرض المتسخة، فعرفت مسبقا أين سيكون مكاني إذا وجدت ركنا فارغا.

بعد إلقاء نظرة على الوجوه المتواجدة، فضلت الجلوس قرب بعض الإخوان الأفارقة، فعلى الأقل هم أقرب مني جغرافيا وثقافيا وربما لغويا بالمقارنة مع الوجوه العربية والآسيوية الأخرى المتواجدة في كل مكان بالغرفة، رحبوا بي بابتسامة رقيقة وأفسحوا لي رقعة ضيقة قربهم للجلوس، ثم أخذ الجميع ينتظر أن ينادي حارس الزنزانة على أحد السجناء من الذين يجلسون على الأغطية، حتى تتسابق الأيدي في محاولة من "بعضنا" للفوز بغطاء يفترشه خلال "إقامته" ليجعل مقامه من فئة "خمسة نجوم"، كما سمع بعضنا في قناة الجزيرة خلال برنامج عن السجون في المنطقة العربية.

كانت الزنزانة مزدحمة بالسجناء، من كل الأجناس والأعراق والألوان والمهن والحرف، فتبينت لي حقيقتين كنت أجهلهما، وملاحظة لم أكن أعرفها في حياتي أبدا:

الحقيقة الأولى هي أنه بدا لي من الوهلة الأولى بأنه في هذه الغرفة ليس هناك فرق بين رئيس تحرير جريدة أو صحافي أو إعلامي أو كاتب أو مؤلف أو طبيب أو مجرم أو مغتصب أو قاتل أو مدمن أو لص أو محتال أو ظالم أو مظلوم أو مذنب أو بريء، فشخصيا لم يسألني أحد عن أي شيء ولم يخبرني أحد عن سبب وجودي هنا ولا التهمة الموجهة إلي حتى أعرف الصفة التي أتواجد بها بين هذه الجماعة، فمهنتنا أو حرفتنا أو وضعنا الاجتماعي موحد في هذا المكان، وهو أننا كلنا "وافـديـن" و"سـجـنـاء".

أما الحقيقة الثانية فاتضحت لي بعد "إقامتي" مع هؤلاء "الزملاء" الجدد فترة وجيزة من الوقت، وهذا في حد ذاته اكتشاف مهم جدا بالنسبة لي، هو أنه ولأول مرة في حياتي يقدمون لي الناس أنفسهم في هذه الزنزانة ويعرفون بشخصيتهم على حقيقتها، دون كذب أو لف أو دوران أو محاولة انتحال شخصية، كما أنه ولأول مرة في حياتي أتقابل مع أناس ولم أحاول كعادتي أن أميز بين الوجه والقناع، أول مرة عرفت أناسا على حقيقتهم الحقيقية والصادقة دون كذب أو خداع أو قناع، فعندما يقدم لي أحد نفسه في هذه "الغرفة" فإنه يقدمها بكل صدق وأمانة، فالمجرم مجرم ويقدم نفسه على أنه كذلك، واللص لص ولا يخجل في قول الحقيقة، والمدمن مدمن، والمحتال محتال، أما خارج هذه الغرفة، فلم يسبق لي أن قابلت مثل هذه الشخصيات، وكأن لا وجود لها في مجتمعاتنا، ترى من أين أتوا هؤلاء إذا؟ ربما من المريخ؟ ففي المجتمع الذي نعيش فيه، لن يصارحك أحد بحقيقة شخصيته، فالكل "ما شاء الله".

أما الملاحظة الوحيدة التي أثارت انتباهي في الزنزانة، فهي عدم وجود أي وجه بين جميع هذه الوجوه ينتمي لأي دولة من الدول الغربية، وهي نفس الملاحظة التي كانت لدي خلال مشواري مع هذه القضية، وعندما نعرف السبب فلا يمكننا إلا أن نقول: "لـــنا اللــــه" نحن شعوب الدول المتخلفة، والتي تسميها الدول الغربية مجاملة بالدول السائرة في طريق النمو.

عندما تسأل فلاحا بسيطا عن قضية النمو، فإن جوابه سيكون: "هناك نباتات تنمو جذورها إلى الأمام أو فوق، وهناك نباتات تنموا جذورها إلى الخلف أي تحت الأرض، فترى أي نمو يقصده الغرب؟

جريدة المغرب اليوم : أول جريدة مغربية تصدر باللغة الإنجليزية

رقم الإيداع القانوني :65 \85 -الترقيم الدولي : 565-0851 CNAA

إعداد وتصميم : حبيب كونين المغربي

Sitemap